الشيخ محمد رشيد رضا
354
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عنها ، وتركها كالريشة في مهاب أهواء الشهوات ، ووساوس شياطين الضلالات ، فعلى العاقل أن يعرف قيمتها ، ويحرص عليها أشد من حرصه على ما عساه يملك من نفائس الجواهر ، وأعلاق الذخائر ، فان حرصه على مثل هذا انما يكون لأجلها ، وهو يبذله عند الضرورة في أح ما لا بد لها منه . وذلك بأن يطلب لها أقصى ما تسمو اليه همته من الكمال ، ويحاسبها كل يوم مرة أو أكثر على ما بذلت من السعي لذلك ، وعلى مكافحة ما يصدها عنه من الأهواء والوساس ، وينصب الميزان القسط لما يشتبه عليهما من الآراء والخواطر ، ليعرف كنه الحق والخير فيلتزمهما ، وأضدادهما من الشر والباطل فيجتنبهما . وليتدبر ما قفى به الكتاب العزيز على القصة من الوصايا في الآيات الآتية الاشكالات في القصة قد أكثر المفسرون المتكلمون في هذه القصة من استخراج الاشكالات ، والجواب عنها بأنواع من التمحلات ، وهي مبنية على ما جروا عليه من أن آدم كان نبيا ورسولا ، وأن الرسل معصومون من معاصي اللّه تعالى فكيف وسوس له الشيطان فأغواه ؟ وكيف أقسم له فصدقه فيما يخالف خبر اللّه ؟ وكيف أطمعه في أن يكون ملكا أو خالدا فطمع وهو يستلزم إنكار البعث ؟ وإذا كان لم يصدقه فكيف أطاعه ؟ وهل الامر له بالاكل من الجنة أمر وجوب أم إباحة ؟ وهل النهي عن الشجرة للتحريم أو الكراهة - الخ ما هنالك حتى زعم بعضهم أن معصيته كانت صورية . وزعم بعض الصوفية أن حقيقة هذه المسألة لا تعرف إلا بالكشف أو إلا في الآخرة . ولا يرد على ما أوردناه شيء من ذلك - فاما على جعل التأويل من باب التمثيل ، وجعل الامر والنهي للتكوين لا للتكليف ، فالامر ظاهر . وأما على الوجه الأول فما جليناه فيه يبه من الوجه الآخر . وآدم لم يكن نبيا رسولا عند بدء خلقه اتفاقا ولا موضع للرسالة في ذلك الطور . والظاهر من الآيات الواردة في الرسل ومن بعض الأحاديث الصحيحة أنه لم يكن رسولا مطلقا . وأن أول الرسل نوح عليه وعليهم السّلام « 1 » وعصمة الأنبياء من كل معصية قبل النبوة وبعدها لم ينقل إلا عن بعض الروافض . ولا يظهر دليل العصمة ولا حكمتها فيه . إذ لم يكن هنالك أحد يخاف من سوء الأسوة عليه هذا ما ألهمه تعالى من بيان معاني هذه الآيات بما يدل عليه الأسلوب العربي
--> ( 1 ) قد فصلنا هذه المسألة في تفسير سورة الأنعام فيراجع في الجزء السابع